ابن أبي الحديد
44
شرح نهج البلاغة
القول فيما جرى للمشركين بعد انصرافهم إلى مكة قال الواقدي : حدثني موسى بن شيبة ، عن قطن بن وهيب الليثي ، قال : لما تحاجز الفريقان ، ووجه قريش إلى مكة ، وامتطوا الإبل ، وجنبوا الخيل ، سار وحشى ، عبد جبير بن مطعم على راحلته أربعا ، فقدم مكة يبشر قريشا بمصاب المسلمين ، فانتهى إلى الثنية التي تطلع على الحجون فنادى بأعلى صوته : يا معشر قريش ، مرارا حتى ثاب الناس إليه وهم خائفون أن يأتيهم بما يكرهون ، فلما رضى منهم قال : أبشروا فقد قتلنا من أصحاب محمد مقتلة لم نقتل مثلها في زحف قط ، وجرحنا محمدا فأثبتناه بالجراح ، وقتلنا رأس الكتيبة حمزة بن عبد المطلب ، فتفرق الناس عنه في كل وجه بالشماتة بقتل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وإظهار السرور ، وخلا جبير بن مطعم بوحشي ، فقال انظر ما تقول ! قال وحشى : قد والله صدقت . قال : قتلت حمزة ؟ قال : أي والله ولقد زرقته بالمزراق ( 1 ) في بطنه ، فخرج من بين فخذيه ، ثم نودي فلم يجب ، فأخذت كبده وحملتها إليك لتراها . فقال : أذهبت حزن نسائنا ، وبردت حر قلوبنا ، فأمر يومئذ نسائه بمراجعة الطيب والدهن . قال الواقدي : وقد كان عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي لما انكشف المشركون بأحد في أول الأمر ، خرج هاربا على وجهه ، وكره أن يقدم مكة ، فقدم الطائف ، فأخبر ثقيفا أن أصحاب محمد قد ظفروا وانهزمنا ، وكنت أول من قدم عليكم ، ثم جاءهم الخبر بعد أن قريشا ظفرت وعادت الدولة لها . قال الواقدي : فسارت قريش قافلة إلى مكة ، فدخلتها ظافرة ، فكان ما دخل على قلوبهم من السرور يومئذ نظير ما دخل عليهم من الكآبة والحزن يوم بدر ، وكان ما دخل
--> ( 1 ) المزراق : الرمح القصير ، وزرقه ، أي رماه .